زيد بن ثابت بهذا العمل الجليل، فذكرت له أربع خصال [1] : كونه شابا، فيكون أنشط لما يطلب منه. وكونه عاقلا، فيكون أوعى له. وكونه لا يتهم، فتركن النفس إليه.
وكونه كان يكتب الوحي، فيكون أكثر ممارسة له. وسنجد أن هذه الصفات هي التي أهلته مرة أخرى ليكون على رأس القائمين بنسخ المصاحف في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ويروي ابن أبي داود رواية توضح جانبا من الطريقة التي جرى عليها زيد بن ثابت في جمع القرآن، فيروي أن الصديق قال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا في باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه [2] . وفي رواية أخرى أن عمر بن الخطاب قام في الناس، فقال: من كان تلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان [3] . ويقول ابن حجر [4] : كأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد على أن ذلك المكتوب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن. وكان غرضهم ألّا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ.
وعمل كبير مثل جمع القرآن في الصحف من القطع التي كان قد كتب عليها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أنه احتاج إلى جهود كبيرة، وهو ما يدعو إلى الاعتقاد أن بعض الصحابة قد وقف إلى جانب زيد في إنجاز هذا العمل الكبير [5] ، ولعل في مقدمة من أسهم في ذلك عمر بن الخطاب الذي كان ضمن كتّاب الوحي والذي تشير الرواية السابقة إلى مشاركته في تتبع القرآن وجمعه مع زيد. ويروي ابن أبي داود أن أبيّ بن
(1) انظر: ابن حجر: ج 10، ص 387.
(2) المصاحف، ص 6.
(3) نفس المصدر، ص 10.
(4) ج 10، ص 388. وانظر: علم الدين السخاوي: جمال القراء، ورقة 31أ. والسيوطي: الإتقان، ج 1، ص 166.
(5) انظر: د. عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن، ص 106.