وكان لمذهب أبي العباس هذا أثر في مواقف من تعرّضوا لدراسة ظواهر الرسم من
بعده، حتى الوقت الحاضر، وقد تقدم إلى كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الأستاذ عبد الحي حسين الفرماوي المدرس في الكلية المذكورة ببحث عن (رسم المصحف ونقطه) لنيل درجة العالمية (الدكتوراة) في 10/ 2/ 1975م، ناقش فيه الحكم الشرعي في التزام الرسم العثماني في طبع المصاحف ونسخها، وتعرّض لدراسة ظواهر الرسم العثماني في المبحث الثالث من الفصل الثالث (ص 161115) ، ولم يخرج في مناقشته للموضوع عما روي عن أبي العباس المراكشي في تفسير ظواهر الرسم من تعليلات.
وينقص تلك الدراسات إلى جانب ذلك المنهج المخطوء في تناول الموضوع الاعتماد على الوثائق المخطوطة التي تنفخ في روايات علماء السلف روحا جديدة.
ومن ثم كان على هذا البحث أن يتلمس طريقه نحو الاتجاه الصحيح في زحمة تلك المذاهب والآراء في تفسير ظواهر الرسم ومحاولة الاستفادة من الصالح من تلك الآراء، واستبعاد غير الصالح منها، وتلك مهمة ليست يسيرة، إلى جانب محاولة كتابة تاريخ، أقرب إلى الواقع، لاستعمال العلامات الكتابية في تكميل الرسم العثماني مما لا نزال نستعمل كثيرا منها في كتابتنا إلى اليوم.
أما المصادر والمراجع التي أمدّت هذا البحث بما يعين في دراسة المشكلة، فهي كثيرة، تتصل بفروع مختلفة، من علوم القرآن واللغة العربية والتاريخ، وقد كانت الكتب المؤلفة في موضوع الرسم هي المصدر الأول للمادة المتعلقة بوصف هجاء الكلمات في المصاحف العثمانية، ولعل في مقدمتها كتب الإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444هـ) ، رحمة الله عليه، خاصة كتابيه (المقنع) و (المحكم) الأول في دراسة الظواهر الهجائية، والثاني في بيان تاريخ العلامات الكتابية، ولا تقل أهمية عن ذلك المصاحف المخطوطة القديمة التي اطلعت عليها، والمجموعات الخطية المصوّرة التي تتضمن نماذج من مخطوطات ترجع إلى فترات مختلفة، كذلك استفدت من كتب التفسير والقراءات والحديث، إلى جانب كتب اللغة والنحو والمعاجم والإملاء وكتب التاريخ والطبقات، واستفدت أيضا من الكتب والأبحاث الحديثة في موضوع اللغة والكتابة العربية ودراسة الظواهر في القراءات القرآنية، واستعنت ببعض المراجع المكتوبة بلغة أجنبية في دراسة تاريخ وطبيعة الكتابات عامة، وتاريخ الكتابة العربية خاصة.
وربما كانت أكثر مشكلات البحث صعوبة هي أن بعضا من جوانبه تعجز جهود فرد
عن إيفائها حق الدراسة، لكن ما لا يدرك جلّه لا يترك كلّه، فلا يزال كثير من مصادر الموضوع مخطوطا، وليس من اليسير تحقيق النصوص تحقيقا تاما، إضافة إلى أن المصاحف القديمة المخطوطة إلى جانب كونها كثيرة ومبثوثة في مكتبات العالم تصعب بل تستحيل أحيانا القراءة فيها بدعوى المحافظة عليها، وقد جعلني ذلك أكتفي بما تيسرت لي القراءة فيه من المصاحف المحفوظة في دار الكتب المصرية، ورغم الفائدة الكبرى التي أتاحتها الأمثلة التي نقلتها من تلك المصاحف فإن القراءة في مصاحف أخرى سوف تكون مفيدة جدا في دراسة المشكلة.