فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 692

وقد كانت تلك الصور الهجائية وهذه العلامات الكتابية تلح على عقول العلماء والباحثين، في القديم والحديث، للكشف عن أصل تلك الصور وبيان تاريخ هذه

العلامات، وعند ما استقبلت هذه المرحلة من حياتي الدراسية اقترح عليّ أستاذي الدكتور عبد الصبور شاهين أن أدرس موضوع (الرسم المصحفي) ، دراسة لغوية تاريخية للحصول على درجة الماجستير، من حيث طريقة كتابة الكلمات، وعدد الرموز التي يتكوّن منها هجاؤها، ومدى وفاء تلك الرموز والعلامات المكتوبة بتمثيل الأصوات المنطوقة، وهذا هو ميدان اللغوي، لا من ناحية شكل الحرف وجمالية الخط، فهو ميدان الخطاط ومؤرخ الخط.

وتكاد تكون محاولة البحث هذه أول دراسة تتناول الرسم المصحفي والكتابة العربية من وجهة نظر لغوية، ذلك لأن الدراسات التي سبقت في هذا الموضوع قديمة وحديثة كانت تتناول الرسم والكتابة من وجهات نظر أبعد ما تكون عن طبيعة الكتابة التي تقوم أصلا على أسس صوتية محضة، ولا شك في أن كتب الرسم القديمة لم تحاول أن تعطي تفسيرا لظواهر الرسم العثماني، وإنما قدمت لنا وصفا دقيقا أمينا يثير الدهشة ويستحق الإعجاب لطريقة رسم الكلمات في المصاحف العثمانية، ولولا ذلك الوصف لغابت عنا تفاصيل كثيرة تتعلق بتاريخ الكتابة العربية، وإذا ما عثرنا في تلك الكتب أو في كتب علماء العربية على تعليلات لبعض الظواهر فإنها تعتبر نظرات جزئية لا تتناول إلا أمثلة محدودة لا تعطي تفسيرا شاملا لظواهر الرسم، إضافة إلى أنها كانت تفتقر أحيانا إلى المعرفة الصحيحة لتأريخ تلك الظواهر التي كشفت الدراسات المعاصرة في الكتابات القديمة كثيرا من أسرارها.

ولعل أشهر محاولة لتفسير ظواهر الرسم في القديم تقوم على أساس محدد هي تلك التي يعرضها أبو العباس أحمد المراكشي الشهير بابن البناء (ت 721هـ) في كتابه:

(عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل) ، وكان أساس هذه المحاولة هو تفسير ظواهر الرسم على أساس اختلاف معاني الكلمات حسب السياقات بأسلوب صوفي باطني لا يمت إلى اللغة ولا إلى طبيعة الكتابة بأي سبب، ولا شك في أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يدر في خلدهم، وهم يكتبون القرآن في المصحف، شيء من تلك المعاني التي يذكرها أبو العباس المراكشي، إنما كانوا يكتبون بما اعتادوا عليه من نظام كتابتهم.

وكان لمذهب أبي العباس هذا أثر في مواقف من تعرّضوا لدراسة ظواهر الرسم من

بعده، حتى الوقت الحاضر، وقد تقدم إلى كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الأستاذ عبد الحي حسين الفرماوي المدرس في الكلية المذكورة ببحث عن (رسم المصحف ونقطه) لنيل درجة العالمية (الدكتوراة) في 10/ 2/ 1975م، ناقش فيه الحكم الشرعي في التزام الرسم العثماني في طبع المصاحف ونسخها، وتعرّض لدراسة ظواهر الرسم العثماني في المبحث الثالث من الفصل الثالث (ص 161115) ، ولم يخرج في مناقشته للموضوع عما روي عن أبي العباس المراكشي في تفسير ظواهر الرسم من تعليلات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت