وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة، والسورة مكية [1] .
وهذا غلط لوجوه: أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة.
الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلََّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللََّهُ} [الحج: 40] ، وهؤلاء هم المهاجرون.
الثالث: قوله تعالى: {هََذََانِ خَصْمََانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] . نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين.
الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، والخطاب بذلك كله مدني، فأما الخطاب: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ} فمشترك.
الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد، وغيره. ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة، فأمر به في مكة بقوله: {فَلََا تُطِعِ الْكََافِرِينَ وَجََاهِدْهُمْ بِهِ} أي: بالقرآن {جِهََادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] ، فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ، وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف.
السادس: أن الحاكم روى في «مستدركه» [2] من حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر:
أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ، وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط «الصحيحين» ، وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية، والله أعلم [3] .
(1) قال القرطبي رحمه الله تعالى: «وهى مكية سوى ثلاث آيات: من قوله تعالى: {هََذََانِ خَصْمََانِ} إلى تمام ثلاث آيات [الحج 2119] ، قاله ابن عباس ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا أنهن أربع آيات، إلى قوله تعالى: {عَذََابَ الْحَرِيقِ} [الحج 24] . وقال ابن عباس والضحاك أيضا هى مدنية وقاله قتادة أيضا إلا أربع آيات: {وَمََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلََا نَبِيٍّ} إلى قوله: {عَذََابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} فهن مكيات. وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات وقال الجمهور السورة مختلطة، منها مكي ومنها مدني وهذا هو الأرجح لأن الآيات تقتضي ذلك، لأن {يََا أَيُّهَا النََّاسُ} مكية، و {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}
مدنية. أ. هـ. تفسير القرطبي (5/ 4393) . انظر كتابي: بدائع التفسير (3/ 211) .
(2) الحاكم في المستدرك (3/ 7) ، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» .
(3) زاد المعاد (1/ 70، 71) .