أي ما تنفك مناخة، وهذا جواب فاسد، فإن «إلا» لا تزاد في الكلام.
الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء، لا في خصوصيات المدعو.
الجواب الثالث: أن المعنى أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع بنعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء، وكذلك المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء، وقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت، فالراعي هو داعي الكفار، والكفار هم البهائم المنعوق بها.
قال سيبويه [1] : «المعنى: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به. وعلى قوله: فيكون المعنى: ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها» . ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق [2] ، فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء،، وإن جعلته من التشبيه المفرق، فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق، والله أعلم.
ومنها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللََّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنََابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللََّهُ يُضََاعِفُ لِمَنْ يَشََاءُ وَاللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ} (261) [البقرة] ، شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله سواء كان المراد به الجهاد، أو جميع سبل الخير من كل بر، كمن بذر بذرا، فأنبتت كل حبة منه سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على مائة حبة، والله يضاعف ذلك بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص، والتثبيت عند النفقة، وهو إخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، وخرج من قلبه خروجه من يده، فهو ثابت القلب عند إخراجه غير جزع ولا هلع، ولا متعبة نفسه ترجف يده، وفؤاده، ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه، وبحسب طيب المنفق وزكاته.
(1) الكتاب، لسيبويه (1/ 212) بألفاظ متقاربة.
(2) هو التشبيه الذي وجه الشبه فيه صورة منزعة من متعدد ويسمى التمثيلي، والمركب عكسه.