وقوله: {فَقََالُوا سَلََامًا قََالَ سَلََامٌ} [الذاريات: 25] متضمن بمدح آخر لإبراهيم، حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيوه به، فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية، تقديره:
سلمنا عليك سلاما. وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية، تقديره: سلام دائم أو ثابت أو مستمر عليكم، ولا ريب أن الجملة اسمية، تقتضي الثبوت واللزوم، والفعلية تقتضي العدد والحدوث، فكانت تحية إبراهيم أكمل وأحسن.
ثم قال: {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذاريات: 25] ، وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في المدح:
أحدهما: أنه حذف المبتدأ والتقدير: أنتم قوم منكرون، فتذمم منهم ولم يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من بعض الاستيحاش.
وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يواجه أحد بما يكرهه بل يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا» .
والثاني: قوله: {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} ، فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم، كما قال في موضع آخر: {نَكِرَهُمْ} [هود: 70] . ولا ريب أن قوله: {مُنْكِرُونَ} ألطف من أن يقول:
أنكرتم [1] .
تدبر كلامه وما تعرف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله وما نزه نفسه عنه مما لا يسعى له ولا يليق به سبحانه وتدبر أيامه وأفعاله في أوليائه وأعدائه التي قصها على عباده وأشهدهم إياها ليستدلوا بها على أنه إلههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة إلا له ويستدلوا بها على أنه على كل شيء قدير وأنه بكل شيء عليم، وأنه شديد العقاب، وأنه غفور رحيم، وأنه العزيز الحكيم، وأنه الفعال لما يريد، وأنه الذي وسع كل شيء رحمة وعلما، وأن أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، لا يخرج شيء عنها عن ذلك. وهذه الثمرة لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر في آثار أفعاله.
وإلى هذين الأصلين ندب عباده في القرآن، فقال في الأصل الأول: {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] ، {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68] ، {كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ مُبََارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيََاتِهِ} [ص: 29] ، {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (2) [يوسف] ، {كِتََابٌ فُصِّلَتْ}
(1) الرسالة التبوكية (7672) .