فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 490

قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى ََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ} (23) [البقرة] : إن حصل لكم ريب في القرآن وصدق من جاء به وقلتم: إنه مفتعل، فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهه. وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك. حتى إن الذي راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه، فإنهم أتوا بشيء يستحيي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته.

فهو كمن أظهر طيبا لم يشم أحد مثل ريحه قط، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم، وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة؟

وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: {وَادْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ} [البقرة: 23] كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته: اجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك، ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق أمّيّهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم، ويقول: لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدا فيعدلون معه إلى الحرب بقتل المحاربة الأحباب، فلو قدروا على الإتيان بصورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار أيتام الأولاد، وقتل النفوس، والإقرار بالعجز عن معارضته.

وتقرير النبوة بهذه الآية وجوه متعددة، هذا أحدها.

وثانيا: إقدامه صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالا عاما إلى يوم القيامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت