وأدبه في استماع القراءة: أن يلقي السمع وهو شهيد [1] .
قال القائل: المحبون لا شيء ألذ لهم ولقلوبهم من سماع كلام محبوبهم وفيه غاية مطلوبهم، ولهذا لم يكن شيء ألذ لأهل المحبة من سماع القرآن.
وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اقرأ عليّ» ، قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» ، فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى إذا بلغت قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنََا بِكَ عَلى ََ هََؤُلََاءِ شَهِيدًا} (41) [النساء] قال: «حسبك الآن» ، فرفعت رأسي فإذا عيناه تذرفان [2] .
وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا اجتمعوا أمروا قارئا أن يقرأ وهم يستمعون.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل عليه أبو موسى يقول: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وربما بكى عمر.
ومر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأبي موسى رضي الله عنه وهو يصلي من الليل فأعجبته قراءته فوقف واستمع لها، فلما غدا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «مررت بك البارحة وأنت تقرأ فوقفت واستمعت لقراءتك» . فقال: لو أعلم أنك كنت تسمع لحبرته لك تحبيرا [3] .
والله سبحانه وهو الذي تكلم بالقرآن يأذن ويستمع للقارئ الحسن الصوت من محبته لسماع كلامه منه كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «لله أشد أذنا إلى القارئ الحسن الصوت من صاحب القينة إلى قينته» [4] . والأذن بفتح الهمزة والذال، مصدر أذن يأذن: إذا استمع.
قال الشاعر:
أيها القلب تعلل بددن ... إن قلبي في سماع وأذن
(1) مدارج السالكين (2/ 387) .
(2) البخاري (5050) في فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ حسبك، ومسلم (800/ 248) في صلاة المسافرين وقصرها، باب:: فضل استماع القرآن.
(3) أبو يعلى (7279) ، وقال الهيثمي في المجمع (7/ 174) : «وفيه خالد بن نافع الأشعري وهو ضعيف» .
(4) ابن ماجة (1340) في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في حسن الصوت بالقرآن، وفي الزوائد:
«إسناده حسن» ، وأحمد (6/ 19) ، والحاكم في المستدرك (1/ 571) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» وتعقبه الذهبي وقال: «بل هو منقطع» ، وضعفه الألباني.