وهذه عادة الناس في كلامهم، إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم: لو رأيت ما جري يوم كذا بموضع كذا؟ ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذََابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللََّهَ شَدِيدُ الْعَذََابِ} (165) [البقرة] فالمعنى في أظهر الوجهين: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة، والجواب محذوف، ثم قال: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعًا} ، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرى ََ إِذْ فَزِعُوا فَلََا فَوْتَ} [سبأ: 51] ،
{وَلَوْ تَرى ََ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلََائِكَةُ} [الأنفال: 50] أي لو ترى ذلك الوقت وما فيه.
وأما القسم، فإن الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم، فلا يعيد المقسم عليه لأنه قد عرف ما يحلف عليه. فيقول: والله إن لي عليه ألف درهم، ثم يقول: ورب السموات والأرض، والذي نفسي بيده، وحق القرآن العظيم، ولا يعيد المقسم عليه لأنه قد عرف المراد.
والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر، فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء، ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء الله، كقوله: {وَتَاللََّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنََامَكُمْ} [الأنبياء: 57] وقد نقل: ترب الكعبة، وأما الواو فكثيرة [1] .
من ذلك قوله في قصة لوط عليه السّلام ومراجعته قومه له: {قََالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعََالَمِينَ (70) قََالَ هََؤُلََاءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (72) [الحجر: 7270] أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعا، أن هذا قسم من الله بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجلّ بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره. ولم يوافق [2] الزمخشري على ذلك، فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط، وأنه من قول الملائكة فقال: هو على إرادة القول، أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين، بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لعمرك، أو حياتك، قال: وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره.
والعمر والعمر واحد، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف، لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم، وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة.
فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم به لمزيته على كل من أعمار بني آدم. ولا ريب أن عمره وحياته صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم والآيات، فهو أهل أن يقسم به. والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات [3] .
(1) التبيان (31) .
(2) قال الزمخشري: وقيل الخطاب يعني في الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له) الكشاف (2/ 318317) . وانظر الطبري (14/ 44) .
(3) التبيان (429) .