فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 490

الصواب فلا يتكلمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب، والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب، واشتماله على ناطق بغيره فقط، فهذا هو المحال وبهذا خرج الجواب عن قولكم: لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ، فإن قوله لم يكن بمجرده حجة بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن [1] .

وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحََاسَبُ حِسََابًا يَسِيرًا} (8) [الانشقاق] معارضته لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من نوقش الحساب عذب» [2] ، وبين لها أن الحساب اليسير، هو العرض، أي حساب العرض، لا حساب المناقشة.

وأنكر على من فهم من قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء، وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن والمرض والنصب، وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة.

وأنكر على من فهم من قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولََئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (82) [الأنعام] أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (13) [لقمان] مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك، فإن الله سبحانه لم يقل، ولم يظلموا أنفسهم بل قال: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، ولبس الشيء بالشيء: تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر.

ومن هذا قوله تعالى: {بَلى ََ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحََاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ النََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ} (81) [البقرة] ، فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به، ومع أن سياق قوله: {وَكَيْفَ أَخََافُ مََا أَشْرَكْتُمْ وَلََا تَخََافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللََّهِ مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطََانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (81) [الأنعام] ، ثم حكم الله أعدل حكم وأصدقه أن من آمن، ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن والهدى، فدل على أن الظلم: الشرك.

(1) إعلام الموقعين (4/ 198195) .

(2) مسلم (2876/ 79) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إثبات الحساب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت