فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 490

والتحقيق أن الآية تعم النهي عن النوعين، وعلى هذا فقوله تعالى: {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}

[المائدة: 101] أما في أحكام الخلق والقدر فإنه يسوؤهم أن يبدو لهم ما يكرهونه، مما يسألون عنه، وأما في أحكام التكليف، فإنه يسوؤهم أن يبدو لهم ما يشق عليهم تكليفه مما سألوا عنه.

وقوله تعالى: {وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْهََا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فيه قولان:

أحدهما: أن القرآن إذا نزل بها ابتداء بغير سؤال، فسألتم عن تفصيلها وعلمها، أبدى لكم، وبين لكم، والمراد بحين النزول: زمنه المتصل به لا الوقت المقارن للنزول، وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله، ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا.

والقول الثاني: أنه من باب التهديد والتحذير، أي ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم ما سألتم عنه بما يسوؤكم، والمعنى: لا تتعرضوا للسؤال عما يسوؤكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدى لكم. وقوله: {عَفَا اللََّهُ عَنْهََا} أي عن بيانها خبرا وأمرا، بل طوى بيانها عنكم رحمة ومغفرة وحلما والله غفور رحيم، فعلى القول الأول: عفا الله عن التكليف بها توسعة عليكم، وعلى القول الثاني عفا الله عن بيانها لئلا يسوؤكم بيانها.

وقوله: {قَدْ سَأَلَهََا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهََا كََافِرِينَ} (102) [المائدة] أراد نوع تلك المسائل لا أعيانها، أي قد تعرض قوم من قبلكم لأمثال هذه المسائل، فلما بينت لهم كفروا بها، فاحذروا مشابهتهم، والتعرض لما تعرضوا له، ولم ينقطع حكم هذه الآية بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا، لما سأله رفيقه عن مائه أطاهر، أم لا؟

وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره، فلعله يسوؤه، إن أبدى له، فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله فإنه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكت عنها، والله أعلم.

قالوا: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي وجدها لا تخرج عن هذه الأنواع المذمومة، ونحن نذكر آثار التابعين، ومن بعدهم بذلك ليتبين مرادهم، قال الخشني: ثنا

محمد بن بشار، ثنا يحيي. بن سعيد القطان، عن مجالد، عن الشعبي. قال: لعن الله أرأيت، قال: يحيي بن سعيد: وثنا صالح بن مسلم، قال: سالت الشعبي عن مسألة من النكاح، فقال إن أخبرتك برأيي فبل عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت