فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 490

قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمََا يَسْطُرُونَ (1) مََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} (2) [القلم] : الصحيح أن «ن» و «ق» و «ص» من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور، وهي أحادية، وثنائية، وثلاثية، ورباعية، وخماسية، ولم تجاوز الخمسة، ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن، إما مقسما به، وإما مخبرا عنه، ما خلا سورتين: سورة «كهيعص، ون» . كقوله: {الم (1) ذََلِكَ الْكِتََابُ} [البقرة] ، {الم (1) اللََّهُ لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتََابَ} [آل عمران] ، {المص (1) كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الأعراف] {الر تِلْكَ آيََاتُ الْكِتََابِ الْحَكِيمِ} (1) [الرعد] وهكذا إلى آخره.

ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف، وعظم قدرها، وجلالتها، إذ هي مباني كلامه وكتبه، التي تكلم سبحانه بها، وأنزلها على رسله، وهدى بها عباده، وعرفهم بواسطتها نفسه، وأسماءه، وصفاته، وأفعاله، وأمره، ونهيه، ووعيده، ووعده، وعرفهم بها الخير والشر، والحسن، والقبيح، وأقدرهم على التكلم بها، بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم، بأسهل طريق، وقلة كلفة ومشقة، وأوصله إلى المقصود، وأدله عليه. وهذا من أعظم نعمه عليهم، كما هو من أعظم آياته. ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم، وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم. فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته، وكمال إحسانه وإنعامه، فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار، والشمس والقمر، والسماء والنجوم، وغيرها من المخلوقات.

فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته، وحكمته وكماله، وكلامه، وصدق رسله.

وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمهما من تمام نعمته وامتنانه. كما قال: {الرَّحْمََنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسََانَ * عَلَّمَهُ الْبَيََانَ}

[الرحمن: 41] ، فهذه الحروف علم القرآن، وبها علم البيان، وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان، وبها أنزل كتبه، وبها أرسل رسله، وبها جمعت العلوم وحفظت، وبها

انتظمت مصالح العبادة في المعاش والمعاد، وبها يتميز الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، وبها جمعت أشتات العلوم، وبها أمكن تنقلها في الأذهان، وكم جلب بها من نعمة، ودفع بها من نقمة؟ وأقيلت بها من عثرة، وأقيمت بها من حرمة، وهدي بها من ضلالة، وأقيم بها من حق، وهدم بها من باطل؟ فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان. ولولا عجائب صنع الله، ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت