{قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمََا ظَلَمَهُمُ اللََّهُ وَلََكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (117) [آل عمران] ، هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر، وكسب الثناء وحسن الذكر، لا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله، بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابته ريح شديدة البرد جدا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته.
واختلف في الصر، فقيل: البرد الشديد، وقيل: النار، قاله ابن عباس.
قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صر لتصريتها عند الالتهاب.
وقيل: الصر: الصوت الذي يصحب الريح من شدة هبوبها.
والأقوال الثلاثة متلازمة، فهو برد شديد محرق بيبسه للحرث، كما تحرقه النار، وفيه صوت شديد: وفي قوله: {أَصََابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم: هو ظلمهم، فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة، حتى أهلكت زرعهم وأيبسته، فظلمهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم، ونفقاتهم، وأتلفتها.
ومنها قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ الْغََاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا وَلََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوََاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذََلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (176) [الأعراف] ، فشبه سبحانه من آتاه كتابه، وعلمه العلم الذي منعه غيره، فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق، بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرا وأخسها نفسا.
وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرها وحرصا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض، يتشمم ويستروح حرصا وشرها، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو من أمهن الحيوانات، وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنيا، والجيف القذرة المروحة [1] أحب إليه من اللحم الطري، والعذرة أحب
(1) راح الشيء، وأروح: أنتن.