استدل على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، بتخصيص آية الميراث بقوله: «لا نورث، ما تركناه صدقة» [1] ، والصديق أول من خصصه. قال ابن عقيل: وهذه بلاهة من هذا المستدل فإن الصديق لم يخصصه إلا بما سمعه شفاها من النبي صلّى الله عليه وسلّم فهو قطعي وليس النزاع فيه [2] .
الكلام فيما نقل من القرآن آحادا في فصلين: أحدهما: كونه من القرآن، والثاني:
وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به وتحريم مسه على المحدث، وقراءته على الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر لم يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظن.
وقد احتج كل واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود:
«فصيام ثلاثة أيام متتابعات» .
واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم، أنه السدس بقراءة أبي:
{وَإِنْ كََانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلََالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ}
[النساء: 12] ، فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها.
قالوا: وأما قولكم إما أن يكون نقله قرآنا أو خبرا، قلنا: بل قرآنا صريحا. قولكم:
فكان يجب نقله متواترا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه، أو بقي، أما الأول: فممنوع، والثاني:
مسلم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نسخ لفظه وبقي حكمه فيكون له حكم قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» [3] ، مما اكتفى بنقله آحادا، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه [4] .
(1) البخاري (6726) في الفرائض، باب: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا نورث ما تركناه صدقة» ، ومسلم (4552/ 49) في الجهاد والسير، باب: حكم الفيء، وأحمد (1/ 4) .
(2) بدائع الفوائد (4/ 44) .
(3) ابن ماجة (2553) في الحدود، باب: الرجم، وأحمد (5/ 183) .
(4) زاد المعاد (5/ 573) .