وفي النفث سر آخر، فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان. قال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفََّاثََاتِ فِي الْعُقَدِ} (4) [الفلق] وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة، وترسل أنفاسها سهاما لها، وتمدها بالنفث والتفل الذي معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة، والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينة، وإن لم تتصل بجسم المسحور، بل تنفث على العقدة وتعقدها، وتتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية، وتستعين بالنفث، فأيهما قوي كان الحكم له، ومقابلة الأرواح بعضها لبعض، ومحاربتها وآليتها من جنس مقابلة الأجسام، ومحاربتها وآلتها سواء، بل الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها، ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحس عليه، وبعده من عالم الأرواح، وأحكامها، وأفعالها.
والمقصود أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته، والله أعلم [1] .
روى ابن أبي شيبة في «مسنده» ، من حديث عبد الله بن مسعود، قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلي، إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «لعن الله العقرب ما تدع نبيا ولا غيره» ، قال: ثم دعا بإناء فيه ماء وملح، فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ {قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ} (1) ، والمعوذتين حتى سكنت [2] .
ففي هذا الحديث العلاج بالدواء المركب من الأمرين: الطبيعي والإلهي، فإن في سورة الإخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي، وإثبات الأحدية لله، المستلزمة نفي كل شركة عنه، وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها، أي تقصده الخليقة، وتتوجه إليه، علويها وسفليها، ونفي الوالد والولد والكفء عنه، المتضمن لنفي الأصل والفرع والنظير، والماثل مما اختصت به وصارت تعدل ثلث
(1) زاد المعاد (4/ 180176) .
(2) الأحكام النبوية في الصناعة الطبية للكحال (1/ 65) ، وبلفظ قريب السلسلة الصحيحة للألباني رقم (547) .