فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 490

وبالجملة، فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل الذكر والقرآن، تبين له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب، وأدويتها، وبالله التوفيق [1] .

باب: منه انظر وقت أخذك في القراءة إذا أعرضت عن واجبها وتدبرها وتعقلها، وفهم ما أريد بكل آية، وحظك من الخطاب بها، وتنزيلها على أدواء قلبك والتقيد بها، كيف تدرك الخدمة أو أكثرها، أو ما قرأت منها، بسهولة وخفة، مستكثرا من القراءة. فإذا ألزمت نفسك التدبر ومعرفة المراد، والنظر إلى ما يخصك منه والتعبد به، وتنزيل دوائه على أدواء قلبك، والاستشفاء به، لم تكد تجوز السورة أو الآية إلى غيرها [2] .

في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» [3] . شبه صلّى الله عليه وسلّم العلم والهدى الذي جاء به بالغيث لما يحصل بكاء واحد منهما من الحياة والمنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد، فإنها بالعلم والمطر، وشبه القلوب بالأراضي التي يقع عليها المطر لأنها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته.

ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه، واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده:

أحدها: أهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه، وفهموا معانيه، واستنبطوا وجوه

(1) إغاثة اللهفان (251248) .

(2) مدارج السالكين (1/ 258) .

(3) البخاري (79) في العلم، باب: فضل من علم وعلّم، ومسلم (2282/ 15) في الفضائل، باب: بيان مثل ما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم من الهدى والعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت