قد تكلم جمهرة من أهل العلم في هذا الموضوع حتى أصبح سيلا جرف أمامه كل شك وريب وشبهة، أراد بعضهم منذ العهد الأول إلى الآن أن يغرسها في طريق المسلمين، فكان ما سبق من الله تعالى من حفظ كتابه أول وأعظم سند حيث يقول ربنا تبارك وتعالى: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} (9) [الحجر: 9] .
حيث شمل الحفظ: حفظه من التلاشي، وحفظه من الزيادة فيه أو النقصان منه، حيث سخّر الله تعالى له من يحفظه وينقله متواترا، حيث سلم من كل اختلاف حدث فيما سبق من كتب منزلة، حين وكّل حفظها إليهم.
وتأمل الصحابة رضي الله عنهم وهم يتلونه بعد ما سمعوه من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقرهم عليه، وإذا حدث أي خلاف حول حرف منه رجعوا إليه صلى الله عليه وسلم فبين الصواب، وأزال شبهة الخلاف فيه، حتى إذا لحق بالرفيق الأعلى، وكان حفاظه من الشهرة بمكان، أتاح لجمهرة من الأمة لا يعلم عددها في كل مصر أن تتوارث هذا الحفظ والنقل، والمتدبر في كتب تراجم القراء يرى عجبا في هذا الشأن، وكذا كتب القراءات.
حيث يرى دقة ضبطهم، مما يحير العقول، ومما لا يقدر عليه أحد إلّا عن طريق ما وصل إليه العلم الآن عن طريق الحاسوب من حيث الحصر والإحاطة لكل حرف مخرجه ودرجة تفخيمه أو ترقيقه أو مده {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] .
{أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلََافًا كَثِيرًا} (82) [النساء: 82] .
وليس على ما أعتقد أن كتابا على ظهر الأرض حظي بمثل هذا المقام مثل «القرآن الكريم» .
وفي هذا خير رد على كيد أهل الكفر والنفاق: {وَقََالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لََا تَسْمَعُوا لِهََذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) [فصلت: 26] .
فمع تفننهم في صرف شباب الأمة عن الدين باللهو والفجور وتزين الشهوات، إلّا أنك ترى تكاثر حفاظه والعاملين به، مع توافر البواعث الصارفة، ولكن: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلََّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جََاءَ الْحَقُّ وَمََا يُبْدِئُ الْبََاطِلُ وَمََا يُعِيدُ} (49) [سبأ] .