ثم ذكر المثل الناري فقال: {وَمِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النََّارِ ابْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} ، وهو الخبث الذي يخرجه عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتخرجه النار وتمييزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به، فيرمي ويطرح ويذهب جفاء. فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء
والخبث، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي استقى منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم، كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه، ينتفع به غيره، ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يدرهما، ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما، والله الموفق.
ومنها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمََالُهُمْ كَرَمََادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عََاصِفٍ لََا يَقْدِرُونَ مِمََّا كَسَبُوا عَلى ََ شَيْءٍ ذََلِكَ هُوَ الضَّلََالُ الْبَعِيدُ} (18) [إبراهيم] ، فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونها لغير الله عز وجل وعلى غير أمره برماد طيرته الريح العاصف، فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه، فلذلك قال: {لََا يَقْدِرُونَ مِمََّا كَسَبُوا عَلى ََ شَيْءٍ} لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرا من ثواب، ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه.
والأعمال أربعة: فواحد مقبول، وثلاثة مردودة.
فالمقبول: الخالص الصواب. فالخالص: أن يكون لله لا لغيره، والصواب: أن يكون مما شرعه الله على لسان رسوله.
والثلاثة المردودة ما خالف ذلك.
وفي تشبيهها بالرماد سر بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم، وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله، وعلى غير مراده طعمة للنار، وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نار عذابا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار.