ومنها قوله تعالى: {ضَرَبَ اللََّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكََاءُ مُتَشََاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيََانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلََّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لََا يَعْلَمُونَ} (29) [الزمر] ، هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك
والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون.
والرجل المتشاكس: الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين. والموحد لما كان يعبد الله وحده، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه، مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟
وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد، يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه، ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.
ومنها قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلََا تَجَسَّسُوا وَلََا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللََّهَ إِنَّ اللََّهَ تَوََّابٌ رَحِيمٌ} (12) [الحجرات] ، وهذا من أحسن القياس التمثيلي، فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه، ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته، كأنه بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت.
ولما كان المغتاب عاجزا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبا عن ذمه، كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه.
ولما كان مقتضى الأخوة: التراحم والتواصل والتناصر، فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن، كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه. والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه، ولما كان المغتاب متمتعا بعرض أخيه، متفكها بغيبته وذمه، متحليا بذلك، شبه بمن يأكل لحم أخيه بعد تقطيعه، ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا، ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه.
فتأمل هذا التشبيه والتمثيل، وحسن موقعه، ومطابقة المعقول فيه المحسوس، وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا، ووصفهم بذلك في آخر الآية، والإنكار عليهم في
أولها، أن يحب أحدهم ذلك، فكما أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره؟ فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه، وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم، وهم أشد شيء نفرة عنه، فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشد شيء نفرة، عما هو نظيره ومشبهه، وبالله التوفيق.