وقال صلّى الله عليه وسلّم: «زينوا القرآن بأصواتكم» [1] وغلط من قال: إن هذا من المقلوب وإن المراد زينوا أصواتكم بالقرآن، فهذا وإن كان حقا فالمراد تحسين الصوت بالقرآن.
وصح عنه أنه قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» [2] ووهم من فسره بالغنى الذي هو ضد الفقر من وجوه:
أحدها: أن ذلك المعنى إنما يقال فيه استغنى لا تغنى.
الثاني: أن تفسيره قد جاء في نفس الحديث يجهر به، هذا لفظه، قال أحمد: نحن أعلم بهذا من سفيان وإنما هو تحسين الصوت به يحسنه ما استطاع.
الثالث: أن هذا المعنى لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ ولو احتمله، فكيف وبنية اللفظ لا تحتمله كما تقدم.
وبعد هذا فإذا كان من التغني بالصوت ففيه معنيان: أحدهما: كجعله له مكان الغناء لأصحابه من محبته له ولهجه به كما يحب صاحب الغناء لغنائه، والثاني: أنه يزينه بصوته ويحسنه ما استطاع كما يزين المتغنى غناءه بصوته، وكثير من المحبين ماتوا عند سماع القرآن بالصوت الشجي، فهؤلاء قتلى القرآن، لا قتلى عشاق المردان والنسوان [3] .
من قرئ عليه القرآن فليقدر نفسه، كأنما يسمعه من الله يخاطبه به. فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه، وازدلفت إليه بأيهما يبدأ، فما شئت من علم وحكمة، وتعرف وبصيرة، وهداية وغيره [4] .
حرام على قلب قد تربى على غذاء السماع الشيطاني: أن يجد شيئا من ذلك في سماع القرآن، بل إن حصل له نوع لذة فهن من قبل الصوت المشترك، لا من قبل المعنى الخاص.
(1) أبو داود (1468) في الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة، والنسائي (1015) في الافتتاح، باب: تزيين القرآن بالصوت.
(2) البخاري (7527) في التوحيد، باب: قول الله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ الصُّدُورِ} (13) .
(3) روضة المحبين (254252) .
(4) مدارج السالكين (1/ 504) .