فهو أول مشاهد المعرفة ثم يترقى منه إلى مشهد فوقه لا يتم إلا به، وهو مشهد الإلهية فيشهد سبحانه متجليا في كماله بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وفصله في ثوابه، فيشهد ربا قيوما، متكلما آمرا ناهيا، يحب ويبغض، ويرضى ويغضب. قد أرسل رسله، وأنزل كتبه، وأقام على عباده الحجة البالغة، وأتم عليهم نعمته السابغة، يهدي من
يشاء منه نعمة وفضلا، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلا، ينزل إليهم أوامره، وتعرض عليه أعمالهم. لم يخلقهم عبثا، ولم يتركهم سدى، بل أمره جار عليهم في حركاتهم وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم، فلله عليهم حكم وأمر في كل تحريكة وتسكينة ولحظة ولفظة.
وينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه وإحسانه، وبره في شرعه وأحكامه، وأنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم، قد بهرت حكمته العقول، وأقرت بها الفطر، وشهدت لمنزلها بالوحدانية، ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة.
وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال وتنزيهه، سبحانه عن النقص والمثال، وأن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به أولى، وكل نقص وعيب فهو سبحانه منزّه متعال عنه.
وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر، وما أخبر به الرسول عنه حتى كأنه يشاهده عيانا، وكأنه يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده إخبار من كأنه قد رأى وعاين وشاهد ما أخبر به.
فمن أراد سبحانه هدايته شرح صدره لهذا فاتسع له وانفسح، ومن أراد ضلالته جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج لا يجد فيه مسلكا، ولا منفذا، والله الموفق المعين.
وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة، ويطلعه على العدل والتوحيد اللذين تضمنهما قوله: {شَهِدَ اللََّهُ أَنَّهُ لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ وَالْمَلََائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قََائِمًا بِالْقِسْطِ لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (18) [آل عمران] [1] .
قال ابن عباس رضي الله عنه: كل سلطان في القرآن فهو حجة، وهذا كقوله تعالى: {قََالُوا اتَّخَذَ اللََّهُ وَلَدًا سُبْحََانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ بِهََذََا أَتَقُولُونَ عَلَى اللََّهِ مََا لََا تَعْلَمُونَ} (68) [يونس] ، يعني: ما عندكم من حجة بما قلتم إن هو إلا قول على الله بلا علم وقال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلََّا أَسْمََاءٌ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَآبََاؤُكُمْ مََا أَنْزَلَ اللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ} [النجم: 23] ، يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانا بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم وقال تعالى: {أَمْ لَكُمْ سُلْطََانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتََابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ} (157) [الصافات] . يعني حجة واضحة فأتوا بها إن كنتم صادقين في دعواكم. إلا موضعا
(1) شفاء العليل (1/ 281225) .