فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 490

وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء: آخر أمر المتكلمين الشك، وآخر أمر المتصوفين الشطح. والقرآن يوصلك إلى نفس اليقين في هذه المطالب التي هي أعلى مطالب العباد، ولذلك أنزله من تكلم به، وجعله شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.

وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرغب عما يضره، فيصير القلب محبا للرشد، مبغضا للغي، فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن.

وعاد الفتى كالطفل ليس بقابل سوى المحض شيئا واستراحت عواذله [1] .

فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه، ويؤيده، ويسره وينشطه، ويثبت ملكه، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه. وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى فينمو ويزيد، حتى يكمل ويصلح، فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير، لا يحصل له به تمام المقصود، وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين، فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل [2] .

وذلك عشرة أسباب:

أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى: {وَإِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطََانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (36) [فصلت] ، وفي موضع آخر {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف:

200]وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع العام. وتأمل سر

(1) المحض: اللبن الخالص.

(2) إغاثة اللهفان (1/ 4644) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت