فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 490

وقد احتج غير واحد من الأئمة، منهم الشافعي رحمه الله تعالى على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» [1] . فجوز النبي صلى الله عليه وسلم القراءة بكل حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه شاف كاف، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلون [2] .

قال محمد بن قتيبة في «مشكل القرآن» : «وقد كان الناس يقرءون القرآن بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلف، فهفوا في كثير من الحروف. وزلّوا فأخلوا، ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب بالدين. فلم أر فيمن تتبعت في وجوه قراءته أكثر تخليطا ولا أشد اضطرابا منه، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره. ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره بغير علة، ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة، هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه في المد والهمز والإشباع، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المذهب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله تعالى، وتضييقه ما فسحه.

ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها. ففي أي موضع يستعمل هذه القراءة، إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟ وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه، أو ائتمّ بإمام يقرأ بقراءته أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين، منهم بشر بن الحارث، والإمام أحمد بن حنبل، وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم. وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها. فإذا رأوه قد اختلف في أم الكتاب عشرا، وفي مائة آية شهرا، وفي السبع الطوال حولا، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبين، توهموا أن ذلك لفضله في القراءة وحذقه بها» [3] .

(1) البخاري (4992) في فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، ومسلم (818/ 270) في المسافرين، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه.

(2) جلاء الأفهام (191190) .

(3) تأويل مشكل القرآن (6059) وأشار محققه إلى أنه يقصد حمزة بن حبيب الزيات، وقد قال الذهبي:

الإمام القدوة شيخ القراءة، قال الثوري: ما قرأ حمزة حرفا إلا بأثر، السير (7/ 91) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت