أحدهما: الإحكام الذي في مقابلة المتشابه، كقوله: {مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتََابِ وَأُخَرُ مُتَشََابِهََاتٌ} [آل عمران: 7] .
والثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان كقوله: {فَيَنْسَخُ اللََّهُ مََا يُلْقِي الشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللََّهُ آيََاتِهِ وَاللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52] وهذا الإحكام يعم جميع آياته، وهو إثباتها وتقريرها وبيانها، ومنه قوله {كِتََابٌ أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ} [هود: 1] .
الثالث: إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة، كما يقول السلف كثيرا: هذه الآية محكمة غير منسوخة. وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل، فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ. فالحكم هنا هو المنزل من عند الله أحكمه الله، أي فصله من اشتباهه بغير المنزل، وفصل منه ما ليس منه بإبطاله.
وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ثبوته.
وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله، وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به [1] .
سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتََابَ مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتََابِ وَأُخَرُ مُتَشََابِهََاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ ابْتِغََاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] ، فقال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم» متفق عليه [2] .
ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن، وردها بذلك وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم، فإن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به، استخرجوا من المحكم وصفا متشابها، وردوه به.
فلهم طريقان في رد السنن:
(1) سيأتي الكلام في النسخ قريبا.
(2) إعلام الموقعين (4/ 496) .