ومنها قوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى ََ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيََانِ مَثَلًا أَفَلََا تَذَكَّرُونَ} [هود: 24] ، فإنه سبحانه ذكر الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع، وما كانوا يبصرون، ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق، أصم عن سماعه، فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعه أصم عن سماع الأصوات والفريق الآخر: بصير القلب كبصير العين.
وسميع الأذن، فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: {هَلْ يَسْتَوِيََانِ مَثَلًا} .
وقد ذكر الله المثلين المائي والناري في «سورة الرعد» ، ولكن في حق المؤمنين فقال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رََابِيًا وَمِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النََّارِ ابْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذََلِكَ يَضْرِبُ اللََّهُ الْحَقَّ وَالْبََاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً وَأَمََّا مََا يَنْفَعُ النََّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذََلِكَ يَضْرِبُ اللََّهُ الْأَمْثََالَ} (17) [الرعد] ، شبه الوحي لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبه القلوب بالأودية، فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا، وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير، فسالت أودية بقدرها، واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها، وكما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتمل غثاء وزبدا، فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات، ليقلعها ويذهبها، كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاط فيتكدر بها شاربه، وهي من تمام نفع الدواء فإنه أثارها ليذهب بها فإنه لا يجامعها ولا يشاركها، وهكذا يضرب الله الحق والباطل.
ثم ذكر المثل الناري فقال: {وَمِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النََّارِ ابْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} ، وهو الخبث الذي يخرجه عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتخرجه النار وتمييزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به، فيرمي ويطرح ويذهب جفاء. فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء
والخبث، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي استقى منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم، كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه، ينتفع به غيره، ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يدرهما، ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما، والله الموفق.