فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 490

وقد قال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رََابِيًا وَمِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النََّارِ ابْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذََلِكَ يَضْرِبُ اللََّهُ الْحَقَّ وَالْبََاطِلَ} [الرعد: 17] . شبه سبحانه العلم الذي أنزله على رسوله بالماء الذي أنزله من السماء لما يحصل لكل واحد منهما من

الحياة، ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ثم شبه القلوب بالأودية، فقلب كبير يسع علما كثيرا كواد عظيم يسع ماء كثيرا، وقلب صغير إنما يسع علما قليلا كواد صغير إنما يسع ماء قليلا، فقال: {فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رََابِيًا} ، هذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته، فإنه يستخرج منها زبد الشبهات الباطلة فيطفوا على وجه القلب، كما يستخرج السيل من الوادي زبدا يعلو فوق الماء، وأخبر سبحانه أنه راب يطفو ويعلو على الماء لا يستقر في أرض الوادي، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم ربت فوق القلوب وطغت، فلا يستقر فيه، بل تجفى وترمى، فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من الهدى ودين الحق، كما يستقر في الوادي الماء الصافي ويذهب الزبد جفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون.

ثم ضرب سبحانه لذلك مثلا آخر فقال: {وَمِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النََّارِ ابْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} [الرعد: 17] يعني أن مما يوقد عليه بنو آدم من الذهب والفضة والنحاس والحديد يخرج منه خبثه، وهو الزبد الذي تلقيه النار وتخرجه من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها، فإنه يقذف ويلقى به، ويستقر الجوهر الخاص وحده. وضرب سبحانه مثلا بالماء لما فيه من الحياة والتبريد والمنفعة، ومثلا بالنار لما فيها من الإضاء والإشراق والإحراق. فآيات القرآن تحيي القلوب كما تحيا الأرض بالماء، وتحرق خبثها وشبهاتها وشهواتها وسخائمها كما تحرق النار ما تلقي فيها وتميز جيدها من زبدها، كما تميز النار الخبث من الذهب والفضة والنحاس ونحوه منه، فهذا بعض ما في المثل العظيم من العبر والعلم. قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ وَمََا يَعْقِلُهََا إِلَّا الْعََالِمُونَ} (43) [العنكبوت] [1] .

كان صلّى الله عليه وسلّم يقطع قراءته، ويقف عند كل آية فيقول: {الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} (2) ، ويقف {الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} ، ويقف: {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (4) [2] .

وذكر الزهري: أن قراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانت آية آية، وهذا هو الأفضل. الوقوف على رءوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها، وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد،

(1) مفتاح دار السعادة (1715) .

(2) أبو داود (4001) في الحروف والقراءات، والترمذي (2927) في القراءات، باب: في فاتحة الكتاب، وقال: «غريب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت