وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يوما عن هذه الآية، فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر، وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال: قل يا بن أخي، ولا تحقر نفسك، قال: ضرب مثلا لعمل، قال: «لأي عمل؟ قال:
لرجل غني يعمل بالحسنات، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها [1] .
قال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه، وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
فإن عرض لهذا الأعمال من الصدقات ما يبطلها من المن والأذى والرياء، فالرياء يمنع انعقادها سببا للثواب، والمن والأذى يبطل الثواب الذي كانت سببا له، فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل صفوان، وهو الحجر الأملس عليه تراب فأصابه وابل، هو المطر الشديد، فتركه صلدا لا شيء عليه.
وتأمل أجزاء هذا المثل البليغ وانطباقها على أجزاء الممثل به تعرف عظمة القرآن وجلالته، فإن الحجر في مقابلة قلب هذا المرائي والمان والمؤذي، فقلبه في قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر، والعمل الذي عمله لغير الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر، فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من النبات والثبات عند نزول الوابل فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء، وينبت الكلأ، وكذلك قلب المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر، فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي كان عليه، فبرز من تحته حجر صلد لا نبات فيه، وهذا مثل ضربه الله سبحانه لعمل المرائي ونفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه أحوج ما كان إليه، وبالله التوفيق.
ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوََالُهُمْ وَلََا أَوْلََادُهُمْ مِنَ اللََّهِ شَيْئًا وَأُولََئِكَ أَصْحََابُ النََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ (116) مَثَلُ مََا يُنْفِقُونَ فِي هََذِهِ الْحَيََاةِ الدُّنْيََا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهََا صِرٌّ أَصََابَتْ حَرْثَ}
(1) البخاري (4918) في التفسير، وانظر الدر المنثور (2/ 47) .