فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 490

وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره باذر ماله في أرض زكية، فمغله بحسب بذره، وطيب أرضه، وتعاهد البذر بالسقي، ونفي الدغل والنبات الغريب عنه. فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار، ولا لحقته جائحة، جاء أمثال الجبل. وكان مثله كمثل جنة بربوة، وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والريح، فتتربي الأشجار هناك أتم تربية، فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع، فرواها ونماها، فآتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل، فإن لم يصبها وابل، فطل: مطر صغير القطر، يكفيها لكرم منبتها، يزكو على الطل، وينمي عليه، مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل.

فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا، ومنهم من يكون إنفاقه طلا، والله لا يضيع مثقال ذرة.

فإن عرض لهذا العامل ما يغرق أعماله، ويبطل حسناته كان بمنزلة رجل له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات، وأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت.

فإن كان يوم استيفاء الأعمال، وإحراز الأجور وجد هذا العامل عمله، قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة، فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته.

فهذا مثل ضربه الله سبحانه في الحسرة لسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عظم قدرها ومنفعتها، والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف، فهو أحوج ما كان إلى نعمته، ومع هذا فله ذرية ضعفاء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحة، بل هم في عياله، فحاجته إلى نعمته حينئذ أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته، فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم، فيه من جميع الفواكه والثمر، وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها. وهو ثمر النخيل والأعناب، فمغله يقوم بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يوما، وقد وجده محترقا كله كالصريم، فأي حسرة أعظم من حسرته.

قال ابن عباس: هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره.

وقال مجاهد: هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت.

وقال السدي: هذا مثل المرائي في نفقته الذي ينفق لغير الله، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت