فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 490

وهنا يضع ابن القيم رحمه الله تعالى قاعدة أصيلة وعظيمة عند التعامل مع القرآن الكريم، يقول: «وينبغي أن يتفطن هنا لأمر لا بدّ منه، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عزّ وجلّ ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، فيكون الكلام بدله معنى ما. فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر، وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ: {وَالْأَرْحََامَ إِنَّ اللََّهَ كََانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] بالجر أنه قسم، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللََّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرََامِ} [البقرة: 217] أن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في «به» ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير، بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه، والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي، فتدبر هذه القاعدة، ولتكن منك على بال، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه» (3/ 2827) بدائع الفوائد.

ويقول أيضا في معرض بيان معنى الآية رقم (2827) من الأنعام: «وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية وما أوردوا، فراجع أقوالهم تجدها لا تشفي عليلا، ومعناها أجل وأعظم مما فسروا به، ولم يتفطنوا لوجه الإضراب ب «بل» ، ولا للأمر الذي بدا لهم وكانوا يخفونه، وظنوا أن الذي بدا لهم العذاب.

فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله: {مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} قدروا مضافا محذوفا وهو خبر(ما

كانوا يخفون من قبل)، فدخل عليهم أمر آخر لا جواب لهم عنه» عدة الصابرين (185) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت