فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله: {مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} قدروا مضافا محذوفا وهو خبر(ما
كانوا يخفون من قبل)، فدخل عليهم أمر آخر لا جواب لهم عنه» عدة الصابرين (185) .
بل تراه يذم من أعرض عن النحو فلم يفهم التفسير يقول: «وأنه لم يقدر المعنى حق قدره، فلا لصناعة النحو وفق، ولا لفهم التفسير رزق» بدائع الفوائد (1/ 133) ، وانظر أيضا (1/ 206) .
وسيأتي مزيد في بيان تعظيمه للقرآن وأدوات تفسيره عند الكلام عن الإسرائيليات، إن شاء الله تعالى.
فليتدبر المسلم مقدار عظم هذه النصيحة ولا يحيد عنها، وينظر في كتاب الله بها ثم ينتظر مدد الله وفيضه.
5 -وهنا نقف على نتيجة هامة هي نظر ابن القيم في القرآن نظرة المصلح المربي المتبصّر، فهو لا تكاد تمر عليه آية أو يمر بها إلّا استخرج منها قواعد هامة لإصلاح الفرد والجماعة، ويؤكد على علاقتين هامتين ضروريتين:
(1) علاقة العبد بربه سبحانه وتعالى.
(2) علاقة العباد بعضهم مع بعض.
أما علاقة العبد بربه فأكاد أجزم أن مدار كتب ابن القيم عليها قامت، ولها دعت، وانظر إلى أي آية يظن القارئ أنها بعيدة عن ذلك، تراه يستنبط منها ما ينفع العبد في علاقته مع ربه، انظره مثلا عند كلامه على آيات الربا في سورة البقرة فضلا على فتوحات الله عليه في سورة الفاتحة، وهذا أظن التأكيد عليه من نافلة القول.
أما علاقة العبد بغيره من أفراد البشر مسلمين كانوا أم كفارا، فتراه يخرج من الآيات ما به يستقيم حال الفرد وحال المجتمع بتنوع أفراده، وتأمل ما سطره في «تحفة الودود» أو في «أحكام أهل الذمة» مثلا جليّا لذلك، يندفع به ما يراد أن يلصق بالمسلمين الآن من اتهامات بالدموية والقتل لا غير. ويا ليت الأمر جاء من الأعداء فقط لقل الخطب، إنما هي فتنة تبثها أقلام مأجورة وأفواه مطعومة، وعقول مسقاة من نبع واحد إلا هو النفاق، ولكن يتكلمون بألسنتنا ومن جلدتنا.
6 -تفسير الصحابة رضي الله عنهم:
أولا: منزلة الصحابة رضي الله عنهم من المكانة بما لا يحتاج لبيان، فهم من الشأن والرفعة لا يعلو عليهم أحد سوى الأنبياء عليهم السّلام. وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرجون عن قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللََّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولََئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدََاءِ
وَالصََّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقًا (69) [النساء] فهم الجامعة الإسلامية حقا والجماعة المؤمنة الأولى الذين تربوا على يد خير الناس صلى الله عليه وسلم.