فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 490

ثم في هذا الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من تظاهرهن عليه، وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار

الآخرة، لم ينفعهن اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما لم ينفع امرأتا نوح ولوط اتصالهما بهما، ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة.

قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة، وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف أعداء الله اليهود لها ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما الله عنه، مع كونها الصديقة المصطفاة على نساء العالمين، فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه. وفي هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، وتوطين نفسها على ما قال الكاذبون إن كانت قبلها، كما في ذكر التمثيل بامرأتي نوح ولوط تحذير لها وحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه، وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.

ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره: {فَمََا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (51) [المدثر] ، شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة، ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر، وهي لا تعقل شيئا، فإذا سمعت صوت الأسد، أو الرامي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم، وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها. وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة، فإنها لشدة نفورها، قد استنفر بعضها بعضا، وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد. فكأنها تواصت بالنفور، وتواطأت عليه، ومن قرأها بتفتح الفاء [1] فالمعنى: أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته.

(1) قرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم: (مستنفرة) بفتح الفاء، والباقون بكسر الفاء، انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت