فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 490

كانت مرادة، فهي ثابتة في نفس الأمر، أو أوهم أنها مرادة لضرب من المصلحة.

فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن، وهم يعلمون ذلك من نفوسهم، ويجدونه في صدورهم. ولا تجد مبتدعا في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته. فتدبر هذا المعنى ثم ارض لنفسك بما تشاء [1] .

قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] أي عن الذكر الذي أنزلته، فالذكر هنا مصدر مضاف إلى الفاعل، كقيامي وقراءاتي، لا إلى المفعول. وليس المعنى: من أعرض عن أن يذكرني، بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره.

وأحسن من هذا الوجه أن يقال: الذكر هنا مضاف إضافة الأسماء لا إضافة المصادر إلى معمولاتها. والمعنى: من أعرض عن كتابي ولم يتبعه، فإن القرآن يسمى ذكرا قال تعالى:

{وَهََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ أَنْزَلْنََاهُ} [الأنبياء: 50] ، وقال تعالى: {ذََلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيََاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} (58) [آل عمران] ، وقال تعالى: {وَمََا هُوَ إِلََّا ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ} (52) [القلم] ، وقال تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمََّا جََاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ} (41) [فصلت] ، وقال تعالى: {إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمََنَ} [يس: 11] ، وعلى هذا فإضافته كإضافة الأسماء الجوامد التي لا يقصد بها إضافة العامل إلى معموله، ونظيره في إضافة اسم الفاعل: {غََافِرِ الذَّنْبِ وَقََابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقََابِ} [غافر: 3] ، فإن هذه الإضافات لم يقصد بها قصد الفعل المتجدد، وإنما قصد بها قصد الوصف الثابت اللازم، وكذلك جرت أوصافا على أعرف المعارف، وهو اسم الله تعالى في قوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتََابِ مِنَ اللََّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غََافِرِ الذَّنْبِ وَقََابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقََابِ ذِي الطَّوْلِ لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (3) [غافر] .

وقوله تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} فسرها غير واحد من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة الدالة على عذاب القبر، ولهذا قال: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ أَعْمى ََ (124) قََالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ََ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قََالَ كَذََلِكَ أَتَتْكَ آيََاتُنََا فَنَسِيتَهََا وَكَذََلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ََ} (126) [طه] ، أي تترك في العذاب كما تركت العمل بآياتنا، فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار البوار.

ونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون: {النََّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} فهذا البرزخ، {وَيَوْمَ تَقُومُ السََّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذََابِ} [غافر: 46] فهذا في يوم القيامة الكبرى.

(1) الفوائد (82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت