فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 490

وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم منها قبلوه، وما خالفها تحيلوا في رده أو رد دلالته، وإذا جاء نظير ذلك أو أضعف منه سندا ودلالة، وكان يوافق قولهم قبلوه ولم يستجيزوا رده، واعترضوا به على منازعيهم، وأشاحوا وقرروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السند بعينه أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم، دفعوه ولم يقبلوه، وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفا عند ذكر غائلة التقليد وفساده، والفرق بينه وبين الاتباع.

وقال بقي بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين، عن القاسم، عن مالك، أنه كان يكثر أن يقول: {إِنْ نَظُنُّ إِلََّا ظَنًّا وَمََا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: 32] .

وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب، وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت بكل مسالة أفتيت فيها بالرأي سوطا، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي.

وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان، قال: سمعت الشافعي يقول: مثل الذي ينظر في الرأي، ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برأ، فأعقل ما يكون قد هاج به.

وقال ابن أبي داود: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحدا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل. وقال عبد الله بن أحمد أيضا: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إليّ من الرأي، فقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد، لا يجد فيه إلا صاحب حديث، لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي [1] .

لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجلّ ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله

(1) إعلام الموقعين (1/ 114103) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت