عبد الرحمن، هكذا تقرأ سورة هود؟! والله إني فيها منذ ستة أشهر، وما فرغت من قراءتها [1] .
إذا لم يكن بد من المحاكمة إلى الذوق، فهلم نحاكمك إلى ذوق لا ننكره نحن ولا أنت، غير هذه الأذواق التي ذكرناها.
فالقلب يعرض له حالتان: حالة حزن وأسف على مفقود، وحالة فرح ورضى بموجود، وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان.
وله بمقتضى الحالة الأولى: عبودية الرضاء، وهي للسابقين. والصبر، وهي لأصحاب اليمين.
وله بمقتضى الحالة الثانية: عبودية الشكر، والشاكرون فيها أيضا نوعان: سابقون وأصحاب يمين. فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين، بصوتين أحمقين فاجرين، هما للشيطان لا للرحمن: صمت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب، وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين.
وقد أشار النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي الله عنه: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت ويل عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة» [2] .
ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة، وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور النبوي، وقل مشربه من العين المحمدية، وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة. ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم، وكثافة حجبهم، وغلظة طباعهم، وثقل أرواحهم. وصادف ذلك تحريكا لسواكنهم وانقيادا للواعج الحب، وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى [3] ومعاهدها التي سبيت منها، والنفوس الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها، وحاد يحدوها. وليس لها من
(1) زاد المعاد (1/ 340337) .
(2) الترمذي (1005) في الجنائز، باب: ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت، وقال: «هذا حديث حسن» .
(3) إن الذي يتحرك عند سماع الغناء والموسيقى، ويطرب ويستيقظ ويتلذذ: هو النفس البهيمية، لا النفس الإنسانية. ولذلك استدلوا عليه بما تجده البهائم والطيور والوحوش عند سماعها للغناء والموسيقى والحداء، فهي تتحرك حركة بهيمية لا تجد من الإنسانية الكريمة المفكرة المميزة يقظة ورشدا تكبح به