فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 490

{إِنَّمََا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هََذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهََا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ} [النمل: 91، 92] . فحقيقة التلاوة في هذه المواضع هي التلاوة المطلقة التامة، وهي تلاوة اللفظ والمعنى، فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة، وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع، يقال: اتل أثر فلان وتلوت أثره وقفوته وقصصته بمعنى: تبعت خلفه.

ومنه قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحََاهََا (1) وَالْقَمَرِ إِذََا تَلََاهََا} (2) [الشمس] ، أي تبعها في الطلوع بعد غيبتها. ويقال: جاء القوم يتلو بعضهم بعضا، أي: يتبع. وسمي تالي الكلام تاليا لأنه يتبع بعض الحروف بعضا لا يخرجها جملة واحدة، بل يتبع بعضها بعضا مرتبة، كلما انقضى حرف أو كلمة أتبعه بحرف آخر وكلمة أخرى.

وهذه التلاوة وسيلة وطريقة، والمقصود التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه، تصديقا بخبره، وائتمارا بأمره، وانتهاء بنهيه، وائتماما به، حيث ما قادك انقدت معه، فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه تلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ، وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة، فإنهم أهل تلاوة ومتابعة حقا [1] .

إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه [2] ، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى ََ لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (37) [ق] ، وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد.

فقوله: {إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى ََ} إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، وقوله: {لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ} ، فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلََّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، لِيُنْذِرَ مَنْ كََانَ حَيًّا} [يس 69 70] ، أي حي القلب. وقوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} ، أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.

وقوله: {وَهُوَ شَهِيدٌ} ، أي شاهد القلب حاضر غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله

(1) مفتاح دار السعادة (45، 46) .

(2) الضمير في لفظة «منه» يعود إلى الله عز وجلّ. وفي «إليه» يعود إلى المخاطب، بفتح الطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت