فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 490

وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله فإذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر.

فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه، فما وجه دخول أداة «أو» في قوله:

{أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} ، والموضع موضع واو الجمع لا موضع «أو» التي هي لأحد الشيئين؟ قيل:

هذا سؤال جيد، والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو، فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة، فإذا فكر بقلبه، وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن، وأنه الحق، وشهد قلبه بما أخبر به القرآن، فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قيل فيهم: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6]

وقال في حقهم: {اللََّهُ نُورُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكََاةٍ فِيهََا مِصْبََاحٌ الْمِصْبََاحُ فِي زُجََاجَةٍ الزُّجََاجَةُ كَأَنَّهََا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبََارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لََا شَرْقِيَّةٍ وَلََا غَرْبِيَّةٍ يَكََادُ زَيْتُهََا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نََارٌ نُورٌ عَلى ََ نُورٍ يَهْدِي اللََّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشََاءُ} [النور: 35] .

فهذا نور الفطرة على نور الوحي، وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي [1] .

قال إمام أهل هذا السماع عثمان بن عفان رضي الله عنه «لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله» [2] ، وفي وصفه القرآن: «لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء» [3] فهو قوت القلوب وغذاؤها، ودواؤها من أسقامها وشفاؤها [4] .

(1) الفوائد (605) .

(2) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (3/ 232) .

(3) هذا جزء من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنها ستكون فتنة» أخرجه الترمذي في جامعه (5/ 199198) برقم (2906) وقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول. وفي الحارث مقال» . وأحمد في مسنده (1/ 91) بنحوه، والدارمي في سننه (2/ 435) ، وأورده ابن كثير في فضائل القرآن ذيل تفسير ابن كثير وقال: والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روى له شاهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.

(4) حكم مسألة السماع (275) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت