صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس [1] .
وفي هذا القول نظر، فإن سورة يس مكية، وقصة بني سلمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية [2] ، وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها، إما من النبي صلى الله عليه وسلم وإما من جبريل فأطلق على ذلك النزول.
ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين. والمقصود أن خطاهم إلى المسجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم. قال عمر بن الخطاب: لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم شيئا لترك ما عفت عليه الرياح من أثر. وقال مسروق: ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة [3] .
وكذلك وأما قوله: إنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى نجران: باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فلا أظن ذلك محفوظا، وقد كتب إلى هرقل «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وهذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك، وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال ذلك قبل أن ينزل عليه: {طس تِلْكَ آيََاتُ الْقُرْآنِ وَكِتََابٍ مُبِينٍ} (1) [النمل] . وذلك غلط على غلط، فإن هذه السورة مكية باتفاق [4] .
فصل
فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة. وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة، واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللََّهَ عَلى ََ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (39) [الحج] .
(1) مسلم (665/ 280) في المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.
(2) قال القرطبي: «هي مكية بإجماع، إلا أن فرقة قالت: إن قول الله تعالى: {وَنَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا وَآثََارَهُمْ}
مدنية، (6/ 5445) وانظر بدائع التفسير (3/ 467) .
(3) شفاء العليل (1/ 116/ 117) .
(4) زاد المعاد (3/ 642) .