رفعه بالآيات من إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنه آثر الدنيا، وأخلد إلى الأرض، واتبع هواه.
وقال الزمخشري [1] : المعنى: ولو لزم آياتنا، لرفعناه بها، فذكر المشيئة، والمراد ما هي تابعة له، ومسببة عنه، كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها، قال: ألا ترى إلى قوله:
{وَلََكِنَّهُ أَخْلَدَ} ، فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون: {وَلَوْ شِئْنََا}
في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: {وَلَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ}
ولكنا لم نشأ» اه. فهذا منه شنشنة نعرفها من قدري ناف للمشيئة العامة، مبعد للنجعة في جعل كلام الله معتزليا قدريا، فأين قوله: ولو شئنا من قوله: ولو لزمها، ثم إذا كان اللزوم لها موقوفا على مشيئة الله، وهو الحق، بطل أصله.
وقوله: «إن مشيئة الله تابعة للزومه الآيات» من أفسد الكلام، وأبطله، بل لزومه لآياته تابع لمشيئة الله، فمشيئة الله سبحانه متبوعة لا تابعة، وسبب لا مسبب، وموجب مقتضي لا مقتضي، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده.
ومنها قوله تعالى: {إِنَّمََا مَثَلُ الْحَيََاةِ الدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ السَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ الْأَرْضِ مِمََّا يَأْكُلُ النََّاسُ وَالْأَنْعََامُ حَتََّى إِذََا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهََا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهََا أَنَّهُمْ قََادِرُونَ عَلَيْهََا أَتََاهََا أَمْرُنََا لَيْلًا أَوْ نَهََارًا فَجَعَلْنََاهََا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذََلِكَ نُفَصِّلُ الْآيََاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (24) [يونس] ، شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارا بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها، فتعشب ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادر عليها مالك لها، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفرا منها.
فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء، وهذا من أبلغ التشبيه والقياس، ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات، والجنة سليمة منها قال: {وَاللََّهُ يَدْعُوا إِلى ََ دََارِ السَّلََامِ} [يونس: 25] ، فسمّاها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعم بالدعوة إليها، وخص بالهداية من يشاء، فذاك عدله، وهذا فضله.
(1) تفسير الكشاف (2/ 104) .