ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا: اردد حكامنا كالأولين ومسراتنا كالابتداء وابن أورشليم قرية قدسك وأعزنا بابتنائها سبحانك يا باني يورشليم.
فهذا قولهم في صلاتهم مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السّلام لم يقولا شيئا من ذلك ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم.
وكذلك صيامهم كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم أحصا وصوم كدليا التي جعلوها فرضا لم يصمها موسى، ولا يوشع بن نون، وكذلك صوم صلب هامان، ليس شيء من ذلك في التوراة، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم.
هذا مع أن في التوراة ما ترجمته: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا [1] .
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» [2] : هذا الحكم متفق عليه بين الأمة، حتى عند من قال: إن الزيادة على النص نسخ [3] ، والقرآن لا ينسخ بالسنة، فإنه اضطر إلى قبول هذا الحكم وإن كان زائدا على ما في القرآن، سواء سماه نسخا أو لم يسمه. كما اضطر إلى تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، مع أنه زيادة على نص القرآن، وذكرها هذا مع حديث أبي القعيس في تحريم لبن الفحل على أن المرضعة والزوج صاحب اللبن قد صارا أبوين للطفل، وصار الطفل ولدا لهما، فانتشرت الحرمة من هذه الجهات الثلاث، فأولاد الطفل وإن نزلوا أولاد ولدهما، وأولاد كل واحد من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره، إخوته وأخواته من الجهات الثلاث، فأولاد أحدهما من الآخر إخوته وأخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من أبيه، وأولاد المرضعة من غيره إخوته وأخواته لأمه، وصار آباؤها أجداده وجداته، وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته فحرمة الرضاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط [4] .
(1) إغاثة اللهفان [2/ 327، 326] .
(2) البخاري (5099) في النكاح، باب: {وَأُمَّهََاتُكُمُ اللََّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23] ، ومسلم (1444/ 2) في الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.
(3) انظر ما كتبناه في المقدمة عن مسألة النسخ.
(4) زاد المعاد (5/ 556) .