وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله محبوبهم سبحانه وتعالى عيانا وسماع كلامه منه.
وذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب السنة أثرا لا يحضرني الآن: هل هو موقوف أو مرفوع «إذا سمع الناس القرآن يوم القيامة من الرحمن عز وجلّ فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك» [1] .
وأيضا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه» [2] ، وهذا إنما هو في السماع القرآني لا في السماع الشعري فإنه دائم بدوام المتكلم به، تزول الدنيا بأهلها وهو دائم لا يزول. وإذا سمعه المؤمنون في الجنة من الرحمن عز وجل فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك، وتنسيهم لذة سماعه ما هم فيه من النعيم حتى يستفرغ جميع ما هم فيه من النعيم كما ينسيهم ذلك لذة نظرهم إلى وجهه [3] .
الشهقة التي تعرض عند سماع القرآن أو غيره لها أسباب:
أحدها: أن يلوح له عند السماع درجة ليست له فيرتاح إليها فتحدث له الشهقة فهذه شهقة شوق.
وثانيها: أن يلوح له ذنب ارتكبه فيشهق خوفا وحزنا على نفسه، وهذه شهقة خشية.
وثالثها: أن يلوح له نقص فيه لا يقدر على دفعه فيحدث له ذلك حزنا فيشهق شهقة حزن.
ورابعها: أن يلوح له كمال محبوبه ويرى الطريق إليه مسدودة عنه فيحدث ذلك شهقة أسف وحزن.
وخامسها: أن يكون قد توارى عنه محبوبه واشتغل بغيره فذكره السماع محبوبه، وفلاح له جماله، ورأى الباب مفتوحا والطريق ظاهرة، فشهق فرحا وسرورا بما لاح له.
(1) مدارج السالكين (2/ 412) .
(2) البخاري (43) في الإيمان، باب: أحب الدين إلى الله أدومه، ومسلم (785/ 221) في صلاة المسافرين باب: أمر من نسي في صلاته إلخ.
(3) حكم مسألة السماع (286، 287) .