قبول الهدى والانقياد، وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام، لأن البهيمة يهديها سائقها تهتدي، وتتبع الطريق فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا، والأكثرون يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل، فلا يستجيبون ولا يهتدون، ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه، وما ينفعها فتؤثره، والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها، ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء، ثم لم ينتفعوا بما أعطى وجعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار، فهم أضل من البهائم، فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي، حيث لا دليل معه.
ومنها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللََّهِ أَوْلِيََاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ} (41) [العنكبوت] ، فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء هم أضعف منهم، فهم في ضعفهم، وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتا، وهو أوهن البيوت وأضعفها.
وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلّا ضعفا، كما قال تعالى:
{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللََّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلََّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبََادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} (82) [مريم] ، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللََّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لََا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} (75) [يس] ، وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: {وَمََا ظَلَمْنََاهُمْ وَلََكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمََا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللََّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمََّا جََاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمََا زََادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} (101) [هود] .
فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليّا يتعزز به، ويتكبر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصود.
وفي القرآن أكثر من ذلك، وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده.
فإن قيل: فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نفى عنهم علم ذلك بقوله: {لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ} ؟