لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع.
قال أبو عبد الله الحاكم في «مستدركه» : وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع.
ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين لهم معاني القرآن، وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا.
وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له، وكما سأله الصديق عن قوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] فبين له المراد، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] ، فبين لهم معناها.
وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحََاسَبُ حِسََابًا يَسِيرًا} (8) [الانشقاق] ، فبين لها أنه العرض، وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصيف [1] التي في آخر السورة، وهذا كثير جدا.
فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها، وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم.
فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح، وهذا كثير. كما فسر ابن مسعود الدخان بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط، وقد صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه دخان يأتي قبل يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدجال، وطلوع الشمس من مغربها.
وفسر عن عمر بن الخطاب قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق:
6]، بأنها للبائنة والرجعية، حتى قال: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير.
(1) هي آية الكلالة التي في آخر النساء لأنها نزلت في الصيف، أما الأولى فنزلت في الشتاء.