فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 490

ومن سلك من القدرية هذه الطريق فقد توسط بين الطائفتين، لكنه يلزمه الرجوع إلى مثبتي القدر قطعا، وإلا تناقض أبين تناقض. فإنه زعم أن الضلال، والطبع، والختم، والقفل، والوقر، وما يحول بين العبد وبين الإيمان مخلوق لله، وهو واقع بقدرته ومشيئته، فقد أعطى: أن أفعال العباد مخلوقة، وأنها واقعة بمشيئته، فلا فرق بين الفعل الابتدائي والفعل الجزائي إن كان هذا مقدورا لله واقعا بمشيئته، والآخر كذلك، وإن لم يكن ذلك مقدورا ولا يصح دخوله تحت المشيئة، فهذا كذلك.

والتفريق بين النوعين تناقض محض.

وقد حكى هذا الفريق عن بعض القدرية: أبو القاسم الأنصاري في «شرحه الإرشاد» ، فقال: ولقد اعترف بعض القدرية بأن الختم والطبع توابع غير أنها عقوبات من الله لأصحاب الجرائم، قال: وممن صار إلى هذا المذهب عبد الواحد بن زيد البصري، وبكر ابن أخته، قال: وسبيل المعاقبين بذلك سبيل المعاقبين بالنار، وهؤلاء قد بقي عليهم درجة واحدة، وقد تحيزوا إلى أهل السنة والحديث.

وقالت طائفة منهم: الكافر هو الذي طبع على قلبه بنفسه في الحقيقة وختم على قلبه، والشيطان أيضا فعل ذلك، ولكن لما كان الله سبحانه هو الذي أقدر العبد والشيطان على ذلك نسب الفعل إليه لإقداره للفاعل على ذلك لا لأنه هو الذي فعله.

قال أهل السنة والعدل: هذا الكلام فيه حق وباطل، فلا يقبل مطلقا ولا يرد مطلقا.

فقولكم: إن الله سبحانه أقدر الكافر والشيطان على الطبع، والختم كلام باطل، فإنه لم يقدر إلا على التزيين والوسوسة، والدعوة إلى الكفر، ولم يقدره على خلق ذلك في قلب العبد البتة، وهو أقل من ذلك وأعجز.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت داعيا ومبلغا وليس إليّ من الهداية شيء، وخلق إبليس مزينا، وليس إليه من الضلالة شيء» [1] .

فمقدور الشيطان أن يدعو العبد إلى فعل الأسباب التي إذا فعلها ختم الله على قلبه

(1) انظر الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 9) ، وضعفه الألباني في الضعيف الجامع (2338) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت