فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 490

وسمعه، وطبع عليه، كما يدعوه إلى الأسباب التي إذا فعلها عاقبه الله بالنار، فعقابه بالنار كعقابه بالختم والطبع، وأسباب العقاب فعله، وتزيينها وتحسينها: فعل الشيطان، والجميع مخلوق لله.

وأما ما في هذا الكلام من الحق فهو أن الله سبحانه أقدر العبد على الفعل الذي أوجب الطبع والختم على قلبه، فلولا إقدار الله على ذلك لم يفعله.

وهذا حق، لكن القدرية لم توف هذا الموضع حقه. وقالت: أقدره قدرة تصلح للضدين، فكان فعل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور الرب، وإن دخلت قدرته الصالحة لها تحت مقدوره سبحانه، فمشيئته، واختياره، وفعله غير واقع تحت مقدور الرب. وهذا من أبطل الباطل، فإن كل ما سواه تعالى مخلوق له داخل تحت قدرته، واقع بمشيئته، ولو لم يشأ لم يكن.

قالت القدرية: لما أعرضوا عن التدبر، ولم يصغوا إلى التذكر، وكان ذلك مقارنا لإيراد الله سبحانه حجته عليهم أضيفت أفعالهم إلى الله لأن حدوثها إنما اتفق عند إيراد الحجة عليهم.

قال أهل السنة: هذا من أمحل المحال، أن يضيف الرب إلى نفسه أمرا لا يضاف إليه البتة لمقارنته ما هو من فعله.

ومن المعلوم: أن الضد يقارن الضد، فالشر يقارن الخير، والحق يقارن الباطل، والصدق يقارن الكذب، وهل يقال إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان لمقارنتها ما يحبه من الإيمان والطاعة، وإنه يحب إبليس لمقارنة وجوده لوجود الملائكة؟ فإن قيل: قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له، وإن لم يكن له فيه تأثير، كقوله تعالى: {وَإِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زََادَتْهُ هََذِهِ إِيمََانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزََادَتْهُمْ إِيمََانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمََاتُوا وَهُمْ كََافِرُونَ} (125) [التوبة] .

ومعلوم: أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس، بل قارن رجسهم نزولها، فنسب إليها.

قيل: لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما، وهما إحداث السورة الرجس، والثاني مقارنته لنزولها، بل هاهنا أمر ثالث، وهو أن السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها، والتصديق، والإذعان لأوامرها ونواهيها والعمل بما فيها.

فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت