إن الله سبحانه أخبر وخبره الصدق وقوله الحق أنه لا بد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق [1] . فقال تعالى:
{سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي الْآفََاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] أي القرآن.
فإنه هو المتقدم في قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اللََّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} [فصلت: 52] ثم قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت] فشهد سبحانه لرسوله بقوله: أن ما جاء به حق، ووعده أن يرى العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا. ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل، وهو شهادته سبحانه على كل شيء، فإن من أسمائه «الشهيد» الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له، عليم بتفاصيله. وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته.
فإن قلت: قد فهمت الاستدلال بكلماته والاستدلال بمخلوقاته، فبين لي كيفية الاستدلال بأسمائه وصفاته، فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا وكتبنا؟.
قلت: أجل هو لعمر الله كما ذكرت، وشأنه أجل وأعلى، فإن الرب تعالى هو المدلول عليه، آياته هي الدليل والبرهان.
فاعلم أن الله سبحانه في الحقيقة هو الدال على نفسه بآياته، فهو الدليل [2] لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات، وقد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالتعطيل
(1) انظر ما كتبناه في المقدمة عن التفسير العلمي، وإعجاز القرآن الكريم.
(2) انظر تعليقنا الآتي على وصفه تعالى بالكمال.