فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 490

ومنها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللََّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهََا ثََابِتٌ وَفَرْعُهََا فِي السَّمََاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا وَيَضْرِبُ اللََّهُ الْأَمْثََالَ لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (25) [إبراهيم] ، فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرض لله ثمرة هذه الكلمة.

وفي تفسير علي بن أبي طالحة عن ابن عباس [1] ، قال: {كَلِمَةً طَيِّبَةً} : شهادة أن لا إله إلا الله {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} وهو المؤمن، {أَصْلُهََا ثََابِتٌ} : قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن، {وَفَرْعُهََا فِي السَّمََاءِ} ، يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.

وقال الربيع بن أنس: {كَلِمَةً طَيِّبَةً} : هذا مثل الإيمان، فالإيمان: الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه، وفرعه في السماء: خشية الله.

والتشبه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن فإنه سبحانه شبه التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين.

وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة الصاعدة إلى السماء [2] .

لا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها.

فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها، فعرف حقيقة الإلهية التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله، وواطأ قلبه لسانه، في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالواحدانية طائعة سالكة سبل

(1) الطبري (13/ 203) ، البيهقي في الأسماء والصفات (135) والطبراني في الدعاء (3/ 257) .

(2) انظر الدرر المنثور للسيوطي (5/ 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت