فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 490

ومن شهادته أيضا: ما أودعه في قلوب عباده: من التصديق الجازم، واليقين الثابت، والطمأنينة بكلامه ووحيه. فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب، والافتراء على رب العالمين، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته. بل ذلك يوقع أعظم الريب والشك. وتدفعه الفطر والعقول السليمة، كما تدفع الفطر التي فطر عليها الحيوان الأغذية الخبيثة الضارة التي لا تغذى. كالأبوال والأنتان. فإن الله سبحانه فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له، والطمأنينة به، وعدم السكون إليه. ولو بقيت الفطر على حالها لما آثرت على الحق سواه، ولما سكنت إلا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيره.

ولهذا ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ويقينا جازما: أنه حق وصدق. بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق. وأن الذي جاء به أصدق خلق الله، وأبرهم، وأكملهم علما وعملا، ومعرفة. كما قال تعالى: {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلََافًا كَثِيرًا} (82) [النساء] ، وقال تعالى:

{أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا} (24) [محمد] فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان. وعلمت علما ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح، والألم، والحب، والخوف أنه من عند الله، تكلم به حقا، وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم.

فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد، وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث قال له: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا. فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: {بَلْ هُوَ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] ، وقوله:

{وَلِيَعْلَمَ} [1] الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ [الحج: 54] ، وقوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى ََ صِرََاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (6) [سبأ] ، وقوله: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ََ} [الرعد: 19] ، وقوله:

(1) في المطبوعة: (ويرى) وهو خطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت