لما كمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعون، أشرق عليه نور النبوة، وأكرمه الله تعالى برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصه بكرامته وجعله أمينه بينه وبين عباده. ولا خلاف أن مبعثه صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين، واختلف في شهر المبعث، فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول الأكثرين. وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضََانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] ، قالوا: أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته، أنزل عليه القرآن، وعلى هذا ذهب جماعة، منهم يحيى الصرصري، حيث يقول في نونيته:
وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النبوة منه في رمضان.
والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآن في رمضان جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم أنزل منجما بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.
وقالت طائفة: أنزل فيه القرآن، أي في شأنه وتعظيمه، وفرض صومه. وقيل: كان ابتداء المبعث في شهر رمضان [1] .
وأول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر النبوة الرؤيا، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح [2] . قيل: وكان ذلك ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، والله أعلم.
ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة، فجاءه الملك، وهو بغار حراء، وكان يحب الخلوة فيه، فأول ما أنزل عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (1) [العلق] . هذا قول عائشة والجمهور.
(1) زاد المعاد (1/ 77، 78) .
(2) أخرجه البخاري (3) في بدء الوحي، ومسلم (160/ 252) في الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.