بيان إن العبد إذا نفذ فيها [1] ، وكمل اطلاعه، جاء بالعجائب. وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورا عجيبة، يحكم فيها المعبر بأحكام متلازمة صادقة، سريعة وبطيئة، ويقول سامعها: هذه علم غيب. وإنما هي معرفة ما غاب من غيره بأسباب انفرد هو بعلمها، وخفيت على غيره، والشارع صلوات الله عليه حرم من تعاطي ذلك ما مضرته راجحة على منفعته، أو ما لا منفعة فيه، أو ما يخشى على صاحبه أن يجره إلى الشرك، وحرم بذل المال في ذلك، وحرم أخذه به، صيانة للأمة عما يفسد عليها الإيمان أو يخدشه، بخلاف علم عبارة الرؤيا، فإنه حق لا باطل، لأن الرؤيا مستندة إلى الوحي المنامي، وهي جزء من أجزاء النبوة، ولهذا كلما كان الرائي أصدق، كانت رؤياه أصدق، وكلما كان المعبر أصدق وأبر وأعلم، كان تعبيره أصح، بخلاف الكاهن والمنجم وأضرابهما ممن لهم مدد من إخوانهم من الشياطين، فإن صناعتهم لا تصح. من صادق ولا بار، ولا متقيد بالشريعة بل هم أشبه بالسحرة الذين كلما كان أحدهم أكذب وأفجر، وأبعد عن الله ورسوله ودينه، كان السحر معه أقوى وأشد تأثيرا، بخلاف علم الشرع والحق، فإن صاحبه كلما كان أبر وأصدق وأدين، كان علمه به ونفوذه فيه أقوى، وبالله التوفيق [2] .
(1) أي الرؤيا.
(2) زاد المعاد (5/ 789) .