إذا كان الرب تعالى لا حجر عليه بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ويبتلي عباده بما يشاء ويحكم ولا يحكم عليه، فما الذي يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنه، أو يحرم محرما على أمة ويبيحه لأمة أخرى.
بل أي شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك في الشريعة الواحدة في وقتين مختلفين بحسب المصلحة وقد بين ذلك سبحانه وتعالى: {مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا أَوْ مِثْلِهََا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللََّهَ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (106) [البقرة: 106] فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء، كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء ويثبت [1] فهكذا أحكامه الدينية الأمرية، ينسخ منها ما يشاء ويثبت منها ما يشاء.
فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم: أن يعارض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى وتدفع نبوته وتجحد رسالته بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم، وبالله التوفيق يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية [2] تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه، وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم فمن ذلك:
أنهم يقولون في صلاتهم ما ترجمته هكذا: اللهم اضرب ببوق عظيم لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيل.
(1) قال تعالى: {يَمْحُوا اللََّهُ مََا يَشََاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتََابِ} (39) [الرعد: 39] وهي مذكورة بعد بيان أن الرسل لا تأتي بشيء من نفسها إنما بالوحي، وأن الآجال مقدرة في كتابه يقول تعالى عن ذلك {وَمََا كََانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلََّا بِإِذْنِ اللََّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ} [الرعد: 38] فهذا المحور إما لكتب الآجال أو نسخ ما في شرائع والله أعلم.
(2) يعني اليهود لعنهم الله تعالى.